محمد هادي معرفة
94
التفسير الأثري الجامع
آخر فطريّ هو الدفاع عن حقوق الإنسان في شتّى ميادينها . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ « 1 » . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ « 2 » . والفطرة تقضي بأنّ التوحيد هو الأساس الّذي يجب ابتناء القوانين الفرديّة والاجتماعيّة عليه ، وأنّ الدفاع عن هذا الأصل إنّما هو بفسح المجال لنشره وبثّه بين الناس ، والدفاع عنه حقّ مشروع للإنسانيّة يجب استيفاؤه بأيّ وسيلة ممكنة ، وبشرط مراعاة طريقة الاعتدال والاحتراز عن الاعتداء . وكما أنّ الفطرة والجبلّة الإنسانيّة وهبته حقّ التصرّف في الوجود ، وأفسحت له المجال في الانتفاع بمواهب الطبيعة حيث يشاء ، وبلا مانع ولا رادع ، سوى مراعاة طريقة الاعتدال ، كذلك أعطته حقّ الدفاع عن حقوقه المشروعة بحسب فطرته وطبيعة ذاته . حيث الدار دار تنازع وتزاحم في البقاء ، وكلّ يرى الحفاظ على حقوقه والدفاع عنها بشتّى أنواع الوسائل الممكنة المستقيمة . فكلّ قتال ومنابذة ، هو في الحقيقة دفاع حرّ عن الكيان الّذي يفرضه الإنسان لنفسه ، إن حقّا أو باطلا . إلّا من هداه اللّه إلى طريق الحقّ الصراح . الأمر الّذي أكّد عليه القرآن وأوضح الطريق إليه « 3 » . * * * والآيات هذه من سورة البقرة تواجه وضع الجماعة المسلمة في المدينة مع مشركي قريش ، الّذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وآذوهم في دينهم وحاولوا الفتنة في عقيدتهم . وهي - مع هذا - تمثّل قاعدة أحكام الجهاد في الإسلام : تبدأ الآيات بأمر المسلمين بقتال من لا يزالون يقاتلونهم ، ثمّ بقتال من سوف يقاتلهم في أيّ وقت وفي أيّ مكان « 4 » ، ولكن دون الاعتداء ! وفي بداية آيات القتال نجد التحديد الحاسم لهدف الجهاد ، والراية الّتي تخاض المعركة تحتها في وضوح وجلاء : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ؛ إنّه القتال للّه محضا ، دون غيره من أهداف عرفتها
--> ( 1 ) الحجّ 22 : 40 . ( 2 ) البقرة 2 : 251 . ( 3 ) الميزان 2 : 65 - 72 . باختزال وتلخيص . ( 4 ) أي ليس ابتدائيّا على أيّ حال .